الغرب و الربيع العربي...الديمقراطية الحرام.

الجمعة 03 مارس 2017 - 05:31 مساءً
بعد مرور ٦ سنوات على ثورات الربيع العربي اتضح و بما لا يدع مجالاً للشك أن الغرب أو ما يطلق عليه مجازاً "العالم الحر" ذو الديمقراطيات العتيدة لا يؤمن بتلك الحريات و حقوق الإنسان أو يطبقها إلا داخل حدوده و لمواطنيه فقط أما في الخارج و خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط فإنه يضرب بها عرض الحائط و يدعم و بكل الطرق الأنظمة الديكتاتورية لضمان بقائها و استمراريتها تحقيقاً لمصالحه و فرض على دول الربيع العربي سيناريوهات عدة و مختلفة لكن نتيجتها الواضحة هي وضع تلك الشعوب بين خيارين لا ثالث لهما إما القبول بالعيش في ظل تلك الأنظمة و العودة إلى حظيرة الطاعة و إما القمع و القتل و التشريد و التهجير و الإعتقال و التعذيب.
 
عندما احرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسه بعد أن قامت شرطية تونسية بمصادرة عربته و اتهمت بصفعه في مشهد مصغر للأنظمة الديكتاتورية التي تصفع شعوبها و تصادر حقها في الحرية و العيش الكريم لتنطلق بعدها مظاهرات عارمة في جميع ارجاء تونس مطالبة برحيل النظام ثم انتقلت الشرارة الى مصر و ليبيا و اليمن و سوريا و تساقطت الأنظمة القمعية واحداً تلو الأخر الى أن توقفت العجلة في سوريا و ظن الكثيرون و انا منهم أن عصر الحرية أخيراً قد أطل و آن الآوان لتحكم الشعوب نفسها بنفسها دون وصاية من أحد.
 
و تتابعت الأحداث و ظهر للعالم جلياً ان الإسلاميين سيتصدرون المشهد السياسي في دول الربيع العربي و هو ما لا يصب في مصلحة الغرب و حليفته المفضلة في المنطقة "اسرائيل" التي ستجد نفسها في وسط تكتلات قوية معادية في ظل مشروع نهضوي عربي اسلامي في منطقة تعج بالثروات النفطية و المائية و المواد الخام و تتحكم في طرق التجارة العالمية فعمل و بكل قوته لفرض سيناريوهات معينة لوأد الثورات و اعادتها إلى نقطة الصفر و ربما أسوأ و جعلها في حالة وصلت بالكثيرين أن أصبحوا يودون عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الثورة رغم ما فيه من كبت و قهر و امتهان للحقوق و الحريات.
و لو القينا نظرة بسيطة إلى وضع كل دولة من دول الربيع العربي لوجدنا سيناريو مختلف لكن تتفق جميعها في إنها لا تصب في مصلحة شعوبها بل على العكس تجعلها تسأل نفسها ألم يكن من الأفضل لو لم نثور من الأصل.
 
تونس 
حدث تغيير بسيط في البنية السياسية للدولة أدت إلى نظام ديمقراطي هش منشغل بالعشرات من المشاكل الداخلية سياسياً واجتماعياً و اقتصادياً و أمنياً،منكفيء على نفسه داخلياً في محاولة لتحقيق بعض الإصلاحات يشعر بها المواطن العادي على المستوى الإقتصادي و الأمني في ظل خلافات حزبية داخلية و ضغط خارجي مستمر مدعوماً بمنظومة الدولة العميقة و بقايا نظام بن علي، بل إن الرئيس التونسي "السبسي" نفسه كان رئيساً لجهاز الأمن الوطني و تولى حقائب الداخلية و الدفاع و الخارجية في عهد بو رقيبة و كان رئيساً لمجلس النواب في عهد بن علي.
 
مصر 
إنقلاب عسكري دموي أعاد النظام القديم و لكن بوجوه جديدة و بقيت بنية الدولة العميقة من الجيش والشرطة والإعلام والقضاء والإقتصاد قائمة كما هي و تمتلك كل الأدوات القادرة على افشال أي تغيير جذري و عمل نظام السيسي الإنقلابي المدعوم غربياً و خليجياً على امتصاص المد الثوري و انهاك القوى الثورية و الاستفراد بها واحدة تلو الأخرى و الإنقضاض عليها لإفشالها لتعطي مثالاً سلبياً للثورات مما يمنع من تمددها و انتشارها و النتيجة غرقت مصر في انقسام سياسي و مجتمعي حاد و كوارث اقتصادية يصعب التعافي منها مستقبلاً مما يجعلها رهينة للدول الداعمة للنظام و خاضعة لتوجيهاتها بصفة مستمرة خوفاً من الإرتداد الثوري.
 
ليبيا
حدث ولا حرج انهارت السلطة المركزية و تعمقت الأزمة السياسية والأمنية مع تنافس حكومتين على الشرعية احداها في البيضاء و معترف بها دولياً رغم انها مخالفة للدستور كون مجلس النواب الذي منحها الثقة انعقد في طبرق خلافاً للدستور المؤقت و الأخرى في طرابلس ممثلةً في المؤتمر الوطني العام مدعومة من بعض القوى الإقليمية بالإضافة إلى مناطق أخرى واقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية ومجالس شورى بنغازي ودرنة وأجدابيا و سيطرة قوات قبلية على منطقة مصراتة و مناطق خاضعة لقوات الطوارق في الغرب و المحصلة دولة بلا دستور دائم تعاني من الإنقسام و التمزق و في حالة اقتصادية و سياسية و أمنية يرثى لها.
 
اليمن
حرب أهلية على أساس مذهبي حتى لو حاول البعض إنكار ذلك تدور رحاها بكل شراسة بعد إنقلاب جماعة الحوثي التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران و استيلائهم على السلطة و اصبحت البلاد مقسمة بين سلطتين احداها في صنعاء غير معترف بها دولياً و الأخرى في عدن تحت رئاسة عبد ربه منصور هادي معترف بها دولياً و تساندها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية دون قدرة أي طرف على حسم المعركة لصالحه و النتيجة بلد ممزق يعاني أهله من المجاعة و نزحت اعداد كبيرة منه داخلياً و خارجياً و وضع اقتصادي و أمني متردي وسط دعوات تنادي بانفصال الجنوب.
 
سوريا
ربما يكون السيناريو السوري هو أسوأ السيناريوهات و أبشعها و أكثرها دموية و وحشية فقد بدأت الأحداث كأي ثورة شعبية سلمية تطالب بالحرية و الكرامة الإنسانية و ظلت هكذا في الستة أشهر الأولى رغم سقوط العديد من الشهداء و الجرحي ما لبث أن تطورت مع تزايد وتيرة القمع و القتل من قبل النظام إلى صراع مسلح و حرب شعواء تدور رحاها حتى الآن مخلفةً ورائها مئات آلاف القتلي و الجرحي و ملايين النازحين داخلياً و اللاجئين خارجياً و تحولت سوريا إلى ساحة حرب على أساس عرقي و طائفي و مذهبي و مسرحاً لتصفية الحسابات بين القوى العالمية و الإقليمية في معضلة الشعب السوري هو الخاسر الوحيد فيها مهما كانت نتيجة تلك الصراعات و الحسابات.
 
الخلاصة
الغرب تعامل مع ثورات الربيع العربى بسيناريوهات تهدف إلى إعادة إنتاج الأنظمة القديمة بوجوه جديدة و تفتيت المنطقة على أُسس طائفية وعرقية بحيث يتم إفشال ثورات الربيع العربى وإجهاضها بشكل كامل ثم الإنتقال إلى إستعادة الأنظمة الديكتاتورية أو الطائفية أو التقسيم بحسب الدولة و قابليتها لأي من السيناريوهات السابقة.
 

تعليق الفيس بوك